صديق الحسيني القنوجي البخاري

371

فتح البيان في مقاصد القرآن

إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها ، وقال ابن زيد معنى أزلفت تزينت ، والأول أولى لأن الزلفى القرب في كلام العرب . قيل هذه الأمور الاثنا عشر ست منها في الدنيا وهي من أول السورة إلى قوله : وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ [ التكوير : 6 ] وست في الآخرة هي وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [ التكوير : 7 ] إلى هنا وقد سبق بيانها . وجواب الجميع قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ على إن المراد الزمان الممتد من الدنيا إلى الآخرة لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد أو عند وقوع كل داهية من تلك الدواهي ، بل المراد علمت ما أحضرته عند نشر الصحف أو في موقف المحاسبة أو عند الميزان إلا أنه لما كان بعض تلك الدواهي من مباديه وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كلها تهويلا للخطب ، وتفظيعا للحال . والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والشر وبحضورها حضور صحائف الأعمال لأن الأعمال أعراض لا يمكن إحضارها أو حضور الأعمال نفسها ، كما ورد أن الأعمال تصور بصور تدل عليها ، وتعرف بها ، وتنكير نفس المفيد لثبوت العلم المذكور لفرد من النفوس أي لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من الظهور والوضوح بحيث لا يخفى على أحد ، ويدل على هذا قوله : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] وقيل يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت ، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه « لعلك ستندم على ما فعلت ، وربما ندم الإنسان على فعله » . فَلا أُقْسِمُ لا زائدة كما تقدم تحقيقه وتحقيق ما فيه من الأقوال في أول سورة القيامة أي فأقسم بِالْخُنَّسِ وهي الكواكب ، وسميت الخنس من خنس إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار فتخفى ، ولا ترى وهي زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد كما ذكره أهل التفسير ، ووجه تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس وتقطع المجرة . وقال في الصحاح : الخنس الكواكب كلها لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تخفى نهارا أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة . قال الفراء إنها الكواكب الخمس المذكورة لأنها تخنس في مجراها وتكنس أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار ، وقيل سميت خنسا لتأخرها لأنها الكواكب